ولتحي الحكومة بقلم خيري رمضان ٩/٣/٢٠٠٨ |
|
«خلوا بالكم من آية وأم آية»، تلك آخر جملة كتبها الراحل محمد فتحي، وهو بائع من محافظة المنيا، حاصره الغلاء وطارده الديانة وعجز عن تلبية الاحتياجات الدنيا لابنته الصغيرة آية وأمها، فقرر الانتحار بمبيد حشري، بعد أن كتب رسالة يؤكد فيها أنه لم يكفر بالله، وأنه مؤمن، ولكنه تأكد أن «مفيش حل». لا أعتقد أن محمد حين كتب استجداءه ورجاءه «خلوا بالكم» لم يكن يقصد الحكومة التي دفعته للانتحار، وحاصرته من كل اتجاه، فلا هو استطاع البيع، ولا امتلك ما يشتري به.. لم يكن يحلم بشيء غير أن تأكل أسرته الصغيرة ثلاث وجبات أو وجبتين، وعندما أيقن أن الحكومة لا تفكر فيه، بعد أن تحولت إلي حكومة جباية «تتشطر» فقط علي الفقراء، تمنعهم من البيع في الشوارع، ترفع أسعار السلع والمواصلات، ثم تطالبهم بدفع الضرائب، فهل يمكن أن يراهن محمد علي الغد، هل كان لديه أي أمل، ففرط فيه، واختار الموت، تاركاً آية وأمها أمانة في ضمير الإنسانية إذا كان تبقّي لديها ضمير؟! حكي لي صديق أنه أثناء سيره بسيارته، فوجئ بشخص يلقي بنفسه أمامها فتوقف في آخر لحظة قبل الاصطدام به، هبط إليه ليطمئن عليه، ففوجئ بالرجل المنهك يعاتبه «ليه وقفت، ليه مدوستنيش وريحتني؟»، وعندما ربت علي كتفه، وسأله عن سر يأسه الذي يدفعه لمحاولة الانتحار، قال له باكياً: «أولادي في البيت جعانين وفاهمين إني رايح أشتري لهم أكل، ومفيش معايا ولا مليم ومكسوف أروح لهم كده، مش قادر أبص في عينهم.. الموت أرحم». الخيارات أمام فقراء هذا الوطن أصبحت محدودة، وليس منها بالتأكيد فكرة الثورة، فحتي الثورة علي الحكومة تحتاج إلي صحة، والشعب لا يملك وسيلة لحل هذه الحكومة، فنواب الشعب غارقون في العسل، ولا يتذكرون مر من أتي بهم إلي مقاعدهم إلا أيام الانتخابات، والأغلبية في المجلس للحزب الوطني، والحكومة حكومة الحزب.. والأمل الوحيد في الرئيس، والرئيس ضد التغيير ولو غيرنا تذهب الوجوه وتبقي نفس السياسات. والخيار الثاني هو العنف، وقد وصل منتهاه، ولم يعد هناك إلا الدخول إلي البيوت، وإليكم هذه الحكايات القليلة من كثير لدي: * طفلي الصغير كان في طريقه إلي المسجد المجاور للبيت لصلاة الجمعة، ففوجئ بطفل في مثل عمره يشهر في وجهه قطعة زجاج ويطالبه بما في جيبه، ففعل ابني صاغراً بعد أن تلقي أمراً بألا ينظر خلفه، فاستجاب بعد أن أحس بالقهر ولم يملك إلا البكاء. * قريبة مستشار صديقي كانت تسير في بطء بشارع عباس العقاد، فوجئت بشخص يقفز إلي السيارة علي المقعد المجاور لها، شاهراً في جنبها مطواة، وحاول أن يختطف حقيبة يدها، وعندما قاومته للحظة، طعنها طعنة استلزمت ٢١ غرزة في صدرها، وفر بغنيمته وسط الزحام. * انتشرت السرقة بالإكراه في شوارع ا٣لهرم، موبايلات ونقوداً، أبلغت أجهزة الأمن أكثر من مرة، علي مدي أيام تظهر حملات يضبطون في اليوم ثلاثة أو أربعة شبان بأسلحتهم، ولكن الأمن لن يتفرغ لملاحقة المجرمين في الشوارع. تهدأ المطاردات والحملات، فيعود اللصوص مرة أخري، المفزع أنهم لصوص جدد بعضهم خريجو كليات الطب والهندسة، وهم أيضاً لصوص السيارات..الوصول لهم صعب لعدم وجود سوابق. لم يبق خيار أمام الفقراء الشرفاء سوي الموت الاختياري والموت حزناً وهوانا ويأساً.. فليمت الشعب ولتحي الحكومة!!.
|
رخصة النشر (Syndication)
